الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
317
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
للسيد في المقام في جميع ما قرره كما هو شأنه في معظم المسائل رابعها أنها للقدر المشترك بين التحريم والكراهة ففي النهاية أن من جعل الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب جعل النهي مشتركا بين التحريم والكراهة والظاهر أنه أراد وضعه للقدر المشترك بينهما خامسها القول بذلك مع حمل نواهي الشريعة مع الإطلاق على التحريم لقيام قرائن عامة عليه وهو مختار صاحب الوافية نظير ما ذكره في الأمر سادسها القول بذلك أيضا مع القول بانصراف الطلب مطلقا إلى التحريم كما هو المختار في المقام نظير ما مر في الأمر سابعها القول بالتوقف كما يظهر من جماعة حكاية القول به حيث جعلوا القول بالتوقف هنا نظير ما ذكروه في الأمر هذا وحجية المختار هنا نظير ما مر في الأمر من غير فرق فلا حاجة إلى الإعادة ويظهر سائر الأقوال بالمقال فلا حاجة إلى الإعادة قوله ولهذا يذم العبد إلى آخره هذا تقرير وتوضيح لكون المفهوم والمنساق من النهي عند الإطلاق هو التحريم لملاحظة استحقاق الذم عند كون الأمر ممن يجب طاعته على المأمور إذ لولا مفاده التحتيم والإلزام لما تفرع عليه استحقاق الذم وربما يفيد ذلك دليلا آخر سوى التبادر ولا وجه له ثم إن الكلام على الدليل المذكور نظير ما ذكره في الأمر فلا حاجة إلى إعادته وما وجب الانتهاء عنه حرم فعله فإن الانتهاء عن الشيء هو تركه والاجتناب عنه ووجوب الاجتناب عن الفعل ولزوم تركه هو مفاد حرمته وقد يورد على الاحتجاج المذكور بأمور أحدها ما أشار إليه المصنف من أنه مختص لمناهي الرسول صلى اللَّه عليه وآله فلا يثبت به الحال في مناهيه تعالى ومناهي الأئمة عليهم السلام فضلا عن مفاد النهي بحسب اللغة كما هو المدعى ثانيها أن ما يفيده الآية حمل نواهيه على التحريم ولا يفيد وضع النهي لذلك غاية الأمر أن يكون ذلك قرينة عامة على استعمال النهي في التحريم كما هو مختار البعض ولا تفيد وضعه لذلك ثالثها أنها ظاهرة في عدم وضع الصيغة للتحريم إذ لو كانت موضوعة له لما احتج إلى بيانه تعالى إذ ليس من شأنه تعالى بيان الأوضاع اللفظية للرجوع فيها إلى أهل اللسان فالظاهر من بيانه ذلك عدم دلالة الصيغة عليه ليكون حكمه لوجوب الانتهاء قاضيا فهي بالدلالة على خلاف المدعى أولى رابعها أنها إنما تفيد كون لفظ النهي مفيدا للتحريم أي موضوعا للصيغة المستعملة في التحريم سواء كان استعمال الصيغة فيه من جهة وضعها له أو على سبيل المجاز أو الاشتراك فأقصى ما يفيده كون لفظ النهي موضوعا للصيغة المستعملة في التحريم وهو غير المدعى خامسها يمنع من استعمال قوله فانتهوا في الوجوب وإن سلمنا وضع الأمر للوجوب وذلك لأن جملة من مناهي الرسول يراد بها الكراهة قطعا فإن أريد الوجوب من الأمر المذكور لزم التخصيص في قوله وما نهيكم عنه فانتهوا إذ لا يتصور وجوب الانتهاء من المكروه فلا بد من حمله على الأعم من الوجوب والاستحباب فلا يفيد المدعى أو يقال بالتوقف من التزام المجاز المذكور أو التخصيص فلا ينهض أيضا بإثبات المطلوب سادسها المنع من دلالته على الحكم لمناهي الرسول فإن الأمر المذكور من الخطاب الشفاهي فلا مانع من أن يكون إشارة إلى مناهي معهودة صدرت من الرسول بالنسبة إليهم سابعها أن المراد بالانتهاء قبول النهي والتدين به والأخذ بمقتضاه أن تحريما فتحريم وأن كراهة فكراهة فالمقصود وجوب تلقيهم أوامره ونواهيه بالقبول وأين ذلك من الدلالة على استعمال نواهيه في التحريم فضلا عن وضعها له ولا أقل من احتمال حمله على ذلك ومعه لا يتم الاستدلال ثامنها أن لفظ الإيتاء ظاهر في الإعطاء وهو ظاهر في التعلق بالأعيان كما هو الظاهر من لفظ الأخذ أيضا فيكون المراد بالنهي في مقابلته بمعنى المنع منه كما في قوله ولقد أتيتك أكماء وعاقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر والآية إنما وردت بعد ذكر الغنائم فالمراد على هذا أن ما أعطاكم الرسول من الغنيمة وعين لكم من السهم فخذوه وما زاد عنكم ومنعكم منه فانتهوا عنه ولا تزاحموه في القسمة ولا تطلبوا منه زيادة عما عينه لكم كما ورد نظيره في غيره من الآيات ولا ريب في لزوم اتباعه في ذلك فلا ربط للآية بالخطابات الشرعية تاسعها أن أقصى ما يفيده الآية بعد الغمض عن جميع ما ذكر دلالة صيغة النهي مجردة عن القرائن على التحريم ولا يستلزم ذلك وضع الصيغة له إذ قد يكون ذلك من جهة انصراف الإطلاق إليه على نحو ما مر في الأمر حسبما اخترناه في المقامين ويمكن الجواب عن الأول أنه إذا ثبت كون نواهيه للتحريم ثبت ذلك بالنسبة إلى العرف واللغة بأصالة عدم النقل وأجاب عنه المصنف بوجهين أحدهما أن تحريم ما نهى عنه الرسول يدل بالفحوى على تحريم ما نهى اللّه سبحانه عنه وكان الوجه فيه أنه إذا دل ذلك على وجوب طاعة الرّسول في نواهيه أفاد وجوب طاعته تعالى بالأولى لظهور أن وجوب طاعة الرسول إنما يأتي عن وجوب طاعته تعالى وأنت خبير بوهن التعليل فإن وجوب الطاعة إنما يقضي بوجوب ترك ما أراد تركه على سبيل الحتم وأن ما كان على سبيل الكراهة فإن كان مفاد الآية مجرد وجوب الطاعة لم يرتبط بالمقصود وإلا كان الاحتجاج بما دل على وجوب طاعته تعالى وطاعة الرسول صلى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام من الآيات والأخبار أولى وربما استدل به بعضهم إلا أنه موهون جدا كما مرت الإشارة إليه في بحث الأوامر فغاية الأمر حمل دلالة الآية حسبما ادعاه المستدل على كون النهي موضوعا في لسان النبي صلى اللَّه عليه وآله للتحريم ولذا يجب الاجتناب عن الفعل بمجرد نهيه فأي أولوية لكون النهي في كلامه تعالى أيضا موضوعا لذلك كيف والأوضاع أمور اصطلاحية يتبع وضع الواضع ولا وجه لأولوية ثبوته في مقام آخر نعم لو قيل إن مفاد الآية حمل نواهي الرسول صلى اللَّه عليه وآله مع الإطلاق على التحريم فربما يدعى أن دلالتها بالفحوى على حمل نواهيه تعالى على ذلك أيضا بل قد يقال بدلالته على حمل نواهي الشريعة مطلقا عليه لكن ذلك محال لما هو بصدده من إثبات الوضع ولو لوحظ حينئذ مع ظهور ذلك في ثبوت الوضع اندفعت به الأولوية المدعاة إذ لو كان الحمل من جهة لم يتجه الأولوية كما عرفت ثانيهما أن احتمال القول بالفصل بعيد مخالف للظاهر فبعد ثبوته بالنسبة إلى كلامه بل بالنسبة إلى غيره من جهة بعد التفصيل وكأنه أراد بذلك بعد التفصيل في ذلك بين كلام اللّه تعالى إذ لم نر أحدا ذهب إليه وفيه أن أقصى ما يفيده القول بعدم الفصل هو ثبوت ذلك بالنسبة إلى نواهيه تعالى بل نواهي الأئمة عليهم السلام ولا يفيد ذلك ثبوت الحكم في اللغة إلا أن يستند حينئذ إلى أصالة النقل وحينئذ فالأولى الاستناد إليه من أول الأمر حسبما ذكرنا وقد ينزل كلامه على إرادة ذلك فاستبعاده التفصيل من جهة مخالفته للأصل ولا يخلو عن بعد وعن الثاني أن تعلق وجوب الانتهاء على مجرد النهي